لا أدري كيف سيمضي لقاؤنا الأوّل ولا أستحضرُ الألوان التي سنرتديها أو تلك النظرةُ البِكر التي ستولدُ بيننا. أجهلُ المكان الذي سيحتوينا ولا أملكُ أدنىٰ فكرةٍ عن رنّةِ صوتِك، عطرِك، خُطواتِك أو حتّىٰ إيماءات يديك. لا أعلمُ أي موضوعٍ عابرًا سيلقي بنا في بقعةٍ واحدة تحت سماءِ هذا العالم.
أشعرُ برغبةٍ عارمة في استباق التفاصيل؛
رُبّما نلتقي في أروقة العمل فتكونُ أنت "العميل" الذي يطرقُ بابَ شركتي. سأراكَ حينها مُتكبّرًا وسأشعر بضيقٍ كلّما حضرت لكنني سأتمم عملي ببرودٍ مهنيّ تام مؤمنةً بمبدأ "الزبون علىٰ حق" رغم مقتي الدفين له. وربَّما سأبدو في عينيك في البداية امرأةً متعجرفة لا تفقهُ سوىٰ لغة العمل لكن "حُبّك للمثالية" سيسلبك القدرة علىٰ الذهاب لغيري فتظلَّ عميلي المُخلص، ومع مرور الأيام سيتسلّل إليكَ شعورٍ غريب فتختار البقاء قريبًا حتّىٰ بعد جفاف الملاحظات المهنية بينما أظل أنا متذمرةً من حضورك الطاغي.
رُبَّما نلتقي في رحاب الجامعة. تراني تلك "الفتاة المنطوية" التي لا تمنحُ حديثها إلّا لرفيقاتها، رسميةٌ مع الجميع حدّ الجمود، لكنّك ومن بعيد تلمحُ ضحكتها الهارِبة تحت ظلال شجرتها المفضّلة وهي تشارك صديقاتها حكايا الصباح فتسقطُ صريعًا لتلك الضحكة. ستحاول إزعاجها لتلفت انتباهها وقلبُك يحلقُ جذلًا حين تراها وعندما تجرؤ علىٰ الاقتراب؛ ستُجيبكَ بكلمتين: "هذا رقمُ أبي.. فلا وقت لديّ للعبث".
رُبّما تصدمنا طرقات الشوارع كأننا في مشهدٍ سينمائي. ترتطم بي علىٰ عجل فتسقطُ أشيائي ويتحطمُ "آيبادي" الذي أحبّ. سأكرهك بملء صدمتي، وربما سأبكي - فللأسف البكاء سلاحي حين يغلبني الغضب - ستعرضُ عليّ تعويضًا واعتذاراتٍ لا تنتهي لكنني سأرفضُ بمرارة وأعودُ باكيةً لبيتي. ثمَّ نلتقي صدفةً في مقر عملك الجديد، تراني وبيدي آيبادٍ جديد فتمزحُ بخفة ظلٍ أراها سمجةً قائلًا: "الحَمدُلله .. لقد كانت فرصة لتبديل جهازك القديم!".. وسأزداد كرهًا لك حينها قبل أن تعلّمني الأيام كم أنت "رزينٌ" فأتساءل بدهشة: "لمَ فعلت ما فعلته في ذلك اليوم إذن؟".
رُبَّما نلتقي في ردهات المستشفىٰ تكونُ طبيبي أو طبيب والدتي - حفظها الله - تراك أمي لطيفًا ومتعاونًا بينما أراك أنا "ودودًا أكثر من اللازم" فأضيقُ بك ذرعًا، سأحاول تغيير مواعيد المراجعة لأهرب من وجودك لكنّني سأجدك دومًا هناك وكأنك تداوم طوال الأسبوع في هذا المشفىٰ الأهلي! يا للعجب.
رُبمّا يجمعنا معرض بغداد الدولي للكتاب وبين رفوف التاريخ والفلسفة سنختلفُ، نتجادلُ بحدة، وتفترقُ وجهات نظرنا ثمّ بعد سنوات؛ نلتقي لنعرف أيَّنا كان علىٰ صواب وربما سنكتشف أننا كُنا معًا نصنعُ الحقيقة.
عشراتُ الممكنات تزدحمُ في مخيلتي لكن يقينًا واحدًا ينتظرُ النهاية: لحظة موافقتي عليك.
قد تظنني امرأةً قاسية الأحكام وكما يُقال باللّغةِ الدَّخيلة "Judgmental" لكنني لَستُ كذلك. أنا فقط أريدُ أن أكرهك في البداية أريدُ أن أكتشف حقيقتك ببطء، لا أريدُ كمالك أن يكون معروضًا للجميع. أريدك إنسانًا شغّيلًا واضح الحدود، قويًا في حضوره، طاغيًا بكاريزمته، لكن جوهرك يظل سرًا لا يفكُّ شفرته سواي.
أمقتُ الرجل الودود زيادةً عن اللّزومِ مع الجميع فأنا غريبةٌ عنك فكيف تعاملني بودٍ مفرط من اللّقاءِ الأوَّل؟
أقدّسُّ التأنّي في كُلّ شيء حتّىٰ في الحُبّ. أحبّني شيئًا فشيئًا ولا تغرّقني في طوفان البدايات فالغزارة المفرطة تنهكني يا عزيزي.
أحبّني، افهم شخصيّتي، راقبني من بعيد، اعمل معي، شاركني أفكارك بعمق؛ وعندما تتيقنُ تمامًا تقدّم نحوي ولا تكن بطيئًا في هذهِ الخطوة. حينها فقط سأمنحك رقم أبي؛ واستعد.. فأبي رجلٌ صعبٌ لا يفرّطُ في بناتهِ بسهولة. سَل زوج أختي؛ فقد ظل عامًا ونصف العام يطرقُ بابنا.. والبقيةُ عليك!
زَيْنَب.

