ثَمَّةَ امتِلاءٌ يباغِتُ الروحَ دُونَ سَبَبٍ جَلِيّ، كأنَّ العالَمَ بِاتِّساعِهِ قد اختُصِرَ في نَسْمَةِ هواءٍ أو نَقْرَةِ مَطَر. هو لَيْسَ فَرَحًا ولَيْسَ حُزنًا.. هو نَوْعٌ مِنَ الوَجْدِ الذي لا تَسَعُهُ اللُّغات، حُبٌّ مُجَرَّدٌ يَنْبُتُ في الصَّمْتِ ويَزْدَهِرُ في العُزْلَة.
أَشْعُرُ بِغِنىً يَجْعَلُ الكَلِماتِ تَبْدو فَقيرةً وصُوَري تَبْدو بَاهِتَةً أَمامَ بَريقِ الدَّهْشَةِ في قَلْبي. كأنَّني أَمْلِكُ سِرَّ الكَوْنِ كُلِّهِ في لَحْظَةٍ عابِرَة ولا أَحتاجُ لِأَكثرَ مِنْ هَذا الذُّهولِ كَيْ أَعيش.
أَمْتَلِئُ بِمَا لا يُقَال حَتَّى كَأَنَّ رُوحِي تَضِيقُ بِسِعَةِ مَا فِيهَا. أَوَدُّ لَوْ أَسْكُبُ بَعْضًا مِنْ هَذا الفَيْضِ كَيْ أَتَنَفَّس لَكِنَّنِي أُغَالِبُ الرَّغْبَةَ بِغَيْرَةٍ خَفِيَّة؛ فَهَذا الذُّهُولُ سِرٌّ لا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ عَابِر.
أَخَافُ أَنْ أَبُوحَ بِهِ فَيَصْغُر أَوْ أَنْ أَهَبَهُ لِمَنْ لا يَرَىٰ فِي المَطَرِ إِلا مَاءً. لِذا.. سَأُبْقِي كَنْزِي مَدْفُونًا فِي صَمْتِي حَتَّى يَلْتَقِيَ نَبْضِي بِمَنْ يَقْرَأُ الغِنَىٰ فِي عَيْنَيَّ دُونَ أَنْ أَنْطِقَ بِحَرْف.
ثِقَلِي هُوَ أَمَانَةُ الجَمَال التي لا تُوصَف وَابْتِسَامَتِي هِيَ تَحِيَّةُ الرِّضَا عَنْ هَذا الغِنَى الذي يَفِيضُ بِي. هُوَ عَالَمِي المَسْكُونُ بِالحُب غَالٍ لِدَرَجَةِ الغَيْرَة وَرَقِيقٌ لِدَرَجَةِ الصَّمْت. سَأُبْقِيهِ عَالِقًا بَيْنَ القَلْبِ وَالعَيْن فَلا أَفْرُغُ مِنْهُ لِأَخْسَرَهُ وَلا أَضِيقُ بِهِ لِأَنْسَاه.
مَا بَالِي لا أُرِيدُ لِهَذَا المَدِّ أَنْ يَنْحَسِر؟ كَأَنَّ فِي دَاخِلِي مَجَرَّةً تَتَشَكَّل، وَكُلَّمَا نَطَقْتُ مَسَحْتُ الغُبَارَ عَنْ نُجُومِهَا. لا أُرِيدُ لِلسُّكُوتِ أَنْ يَسْرِقَنِي مِنْ هَذَا الِامْتِلَاء فَفِي الحَدِيثِ عَنْهُ بَقَاءٌ لَه وَفِي الإِصْغَاءِ إِلَيْهِ نَجَاة.
كَيْفَ لِشَيْءٍ بَسِيطٍ كَصَوْتِ المَطَرِ مثلًا أَنْ يَبْنِيَ فِينَا قُصُورًا، وَكَيْفَ لِلْمُوسِيقى أَنْ تَرْمِيَ فِي أَرْوَاحِنَا بذورًا تَصِيرُ غَابَاتٍ فِي لَحْظَة؟ إِنَّهُ الحُبُّ فِي صُورَتِهِ الأُولى؛ قَبْلَ أَنْ يَتَسَمَّى وَقَبْلَ أَنْ يَتَأَطَّر.
مُعْضِلَةُ الرُّوحِ الحَسَّاسَةِ أَنَّها تَرى مَا لا يُرى وتَعِيشُ مَا لا يُمْكِنُ نَقْلُه. حِينَ تَقُولُ صَدِيقَتُكِ 'فَهِمْتُكِ' فَهِيَ تَقْصِدُ أَنَّها عَرَفَتْ عَنْ مَاذَا تَتَحَدَّثِين لَكِنَّها لَمْ تَشْعُرْ بِمَا تَشْعُرِين. هُنَاكَ فَرْقٌ شَاسِعٌ بَيْنَ 'مَعْرِفَةِ' الجَمَالِ وبَيْنَ 'الِاحْتِرَاقِ' بِهِ. أَنْتِ لا تُرِيدِينَ مَنْ يَفْهَمُكِ، بَلْ مَنْ يَرْتَعِشُ مَعَكِ لِذَاتِ السَّبَب مَنْ يَكُونُ صَمْتُهُ صَدًى لِصَمْتِكِ لا شَرْحاً لَه.
أَتْعَبُ مِنْ كَوْنِي وَحْدِي فِي هَذا الزِّحَامِ الرَّقِيق. الغُرْفَةُ هِيَ الغُرْفَة، لَكِنَّ المَدى فِيهَا صَارَ أَبْعَدَ مِنَ النُّجُوم. يَسْأَلُونَنِي: مَا بِكِ؟ فَأَصْمُت لأَنَّنِي لَوْ قُلْتُ 'أَنَا بِخَيْر' ظَلَمْتُ هَذَا الفَيْض، وَلَوْ شَرَحْتُهُ.. قَتَلْتُهُ.
يَا ثِقَلَ هَذا النُّورِ فِي صَدْرِي وَيَا لَذَّةَ هَذَا التَّعَبِ الَّذِي لا أُبَدِّلُهُ بِمِلْكِ العَالَم.
أُسَائِلُ نَفْسِي: كَيْفَ لِي أَنْ أَفِيضَ قَوْلًا وَأَنَا السَّاكِنَة؟
لَعَلَّ الكِتَابَةَ هِيَ هَذَا الشَّهِيْقُ الطَّوِيْلُ الَّذِي لا يَعْقُبُهُ زَفِيْرٌ مَسْمُوع.
أَنَا الآنَ أَتَحَدَّثُ بِمِلْءِ رُوحِي؛ أَبْنِي مُدُنًا مِنَ الدَّهْشَةِ بِحِبْرِ الخَيَال وَأَبْقَى فِي ظَاهِرِي صَامِتَةً كَالجَبَل وَفِي بَاطِنِي صاخِبَةً كَالبَحْر.
مَا أَجْمَلَ أَنْ أَكُونَ أَنَا المُتَحَدِّثَةَ وَالمُسْتَمِعَة وَأَنْ يَكُونَ الوَرَقُ هُوَ الصَّدِيقَ الوَحِيْدَ الَّذِي لا يَقُولُ لِي 'فَهِمْتُكِ' بَلْ يَحْتَوِي نَبْضِي كَمَا هُوَ.
أَمْشِي وَالأَرْضُ تَحْتِي مِرآةٌ لِلسَّمَاء، لا تَهُمُّنِي المَدِينَةُ بِأَسْوَارِهَا بَلْ بِمَا أَشْعُرُ بِهِ فِيهَا الآن. ثَمَّةَ رَائِحَةٌ تَمْلأُ الأَزِقَّة هِيَ لَيْسَتْ رَائِحَةَ مَطَرٍ فَحَسْب بَلْ هِيَ رَائِحَةُ شُعُورِي الخَفِيّ؛ ذَلِكَ الغِنَى الَّذِي لا اسْمَ لَه.
مُوسِيْقَايَ تَنْسَابُ بِهُدُوءٍ دُونَ قُيُوْدِ السَّمَاعَات تُشَارِكُ الرَّعْدَ البَعِيْدَ هَمْسَه وَتَرْقُصُ مَعَ القَطَرَاتِ الأَخِيْرَةِ بَعْدَ العَاصِفَة. أَنَا الآنَ لَسْتُ وَحْدِي؛ أَنَا وَالمَطَرُ وَالنَّغَمُ نَتَحَدَّثُ ذَاتَ اللُّغَةِ الصَّامِتَة. هَذَا العَالَمُ الآنَ يُشْبِهُنِي؛ مَبْلُولٌ بِالدَّهْشَة وَفَائِحٌ بِحُبٍّ لا يَنْتَهِي.
تَوقَّفتُ عَنْ سَجْنِ النَّغَمِ في أُذُنَيّ فَمَا مَعْنَى أَنْ أَشْعَرَ بِهذا الغِنى وَحْدِي بَيْنَمَا العَالَمُ يَقِفُ مَبْلُولاً بَانْتِظَارِ رَقْصَة؟
السَّمَّاعَاتُ جُدْرَانٌ وأَنَا في حَالَةِ انْصِهَار.
السَّمَّاعَاتُ تَعْزِلُني في غُرْفَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الصَّوت بَيْنَمَا أُرِيدُ لِمُوسِيْقَايَ أَنْ تَلْمَسَ قَطَرَاتِ المَطَر وتَمْتَزِجَ بِرَائِحَةِ الأَرْض وتَتَصَادَقَ مَعَ الرَّعْدِ البَعِيد.
أُرِيدُ لِهَذَا الصَّوْتِ الخَفِيْفِ أَنْ يَنْبَعِثَ مِنْ حَوْلِي كَأَنَّهُ أَرِيجٌ لا كَأَنَّهُ أَمْرٌ مَفْرُوض. أُرِيدُهُ حُرًّا يَمْشي مَعِي في الشَّارِع، يَتَعثَّرُ بِخُطواتِي ويَضِيعُ في الزِّحَامِ الرَّقيقِ لِلرِّيح.
إِنَّ اسْتِمَاعِي بِدُونِ حَواجِزَ هُوَ طَرِيْقَتِي في قَوْل: "أَنَا لا أَخَافُ مِنَ الحَيَاة بَلْ أَدْعُوهَا لِتَسْمَعَ مَعِي إِيْقَاعَ قَلْبِي".
لَقَدْ كَسَرْتُ ذَاكَ الحِصَارَ البَلاستِيكيَّ الصَّغير لأَنَّ شُعُورِي اليَوْمَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُحْبَسَ بَيْنَ سِلْكٍ وأُذُن؛ إِنَّهُ شُعُورٌ يَحْتَاجُ إِلى مَدَىً، إِلى هَواء وإِلى جُمْهُورٍ مِنَ الغَيْمِ والمَطَر.

