الرّسالة الألف بعدَ السّبعين✉️
أحداثٌ مِن يَوْمي.
السّبت، الثالث والعشرون من أيار
مِنَ العام السّادس والعشرون بعدَ الألفين.
عزيزي
أكتبُ إليك الآن من غُرفتي، مستندةً إلىٰ منضدتي التي باتت جزءًا منّي وبجوار شبّاكي الشاعريّ ذاك الذي تحفظُ تفاصيله عن ظهر قلب، ينتابني شعورٌ بأنّك تعرف هذا الشباك جيدًا وتفهم تمامًا ما يتدفق في روحي حين ألتجئ إليه حتىٰ وإن لم تره عيناك قطّ.. ربما يعود الفضل في ذلك إلىٰ فيض حديثي المستمر عنه.
لا تعجبْ يا صديقي؛ لم أسطر لك هذه الكلمات اليوم بين دفّتي دفتر يومياتي المعتاد، بل اخترتُ هذا الفضاء المفتوح لأنني لا أجد في نفسي رغبةً للتدوين هناك الآن، ربّما أنقلها لاحقًا.. لكن ليس الآن.
تنسابُ في خلفية غرفتي الآن إحدىٰ أغنيات سميرة سعيد، أهدتني إياها إحدىٰ الرّفيقات قائلةً إنّها كلّما استمعت إليها تذكرتني وتذكرتْ معها دفء روحي وشاعريّتي الطاغية. هل يتملكك العجبُ من هذا؟ أن تفكر كيف يمكن لشاعريّتك وعوالمك الداخليّة أن تغزو روح إنسان آخر وتستوطن وجدانه لمجرّد أنه استمع إلىٰ لحنٍ عابر!
في هذه الأثناء، ثمّة ذبابة عنيدة تدخل وتخرج عبر الشباك وقد بلغَ بي الغَضب والضيق منها مبلغه حتىٰ تمنيتُ لو أتحوّل للحظة خاطفة إلىٰ تلك الآلة التي تصعق الحشرات، لتأتي هذه المخلوقة المزعجة بجواري فتلقىٰ حتفها بتلك الأشعة الزرقاء. كم أمقتها وأمقتُ محاولاتها المستميتة للبقاء قريبةً من ضياء منضدتي القريب منّي.
تعلم يا عزيزي؟ هذهِ هي اللّيلة الثالثة التي يغيب فيها وجه أمّي عن البيت، لقد غادرتْ إلىٰ ديار خالتي لأن ابنها الذي أسمّيه "حبيب عينيّا حبيب أحلامي" قد ألمّ به مرضٌ مفاجئ استدعىٰ دخول غرفة العمليات علىٰ عجل، لا تنسىٰ يا عزيزي الدّعاء لَه. المهم.. شدّت أمي رحالها إلىٰ محافظة أخرىٰ لتكون ملاذًا لأختها كي لا تتركها فريسةً للوحدة القاتلة؛ فأمّي - وأعرفها جيدًا - تدرك مرارة هذا الشعور أكثر من أي شخص آخر.
صحيحٌ يا عزيزي أنني اعتدتُ النوم بمفردي ولم أكُن يَوْمًا تلك الطفلة التي تبكي لتنام في حضنها، لكنّ مجرد الإحساس بوجودها في أرجاء المكان وتلك التفاصيل الصغيرة حين أهبط من غرفتي لأجدها تعُدّ الغداء أو تنشغل بأي أمرٍ عابر كانت تغمرني بأمانٍ لا حدود له.
بدونها.. أشعر بأنني ناقِصة. هل تصدّق يا عزيزي؟ هي المخلوقة الوحيدة علىٰ وجه هذه الأرض التي يورثني غيابها هذا الشعور بالنقص، ولم يحدث قط أن شعرتُ بتبعات هذا الشّعور لأي أحدٍ سواها.
في وقت العصر اليوم وبقرارٍ مفاجئ لم تمهد له فكرة استسلمتُ لرغبةٍ عارمة في خبز كعكة؛ كعكة حنونة تشبه في دفئها حضور أمي. وبلا تخطيط مسبق وجدتُ نفسي أحقق حلمًا من أحلام طفولتي البعيدة. تخيل مشهدي! خبزتُها دون وصفة أو ترتيب فعمّت الفوضىٰ أرجاء المطبخ، وتطاير الطحين حتى غطّىٰ خصلات شعري. وعندما أودعتها الفرن وجلستُ أرتب ما أحدثتُه من فوضىٰ انفرجت أساريري عن ابتسامة عريضة بلغت أذنيّ من فرط السعادة. شعرتُ لوهلة أن روحي الصغيرة قد احتلت جسدي بالكامل وأنها هي من تقودني الآن، وليست أنا.. المرأة الكبيرة الحزينة.
ضوء القمر في هذه الليالي يتدفق بروعةٍ تسلب اللّب حتى تمنيتُ لو امتلكتُ جناحين لأطير نحوه وأتأمله عن قُرب؛
فقد سئمتُ هذا النظر البعيد.
أنا في انتظارك، مثلَ انتظاري لرؤية القمر عن كَثَب.
المُخلِصَة لكَ دائمًا، آن شيرلي
أقصد.. زَيْنَبْ.



يا كاتِبَتي الأحَبّ يا مُبدعتي❣️
يعني صدگ صدك الله ♥️