أقفُ الآن في المَطبخ أراقبُ انسياب القهوةِ المثلجة وهي تنكسرُ فوق مكعبات الثلج، يفوحُ منها عبيرُ الفانيلا الرقيق ليصطدم بصوتِ الحياةِ القادم من الشّرفة؛ ضحكاتُ الصغار العفوية في الزقاق ونداءاتُ الباعة المتجوّلين التي تحملُ بساطة الشارع. وفي الخلفية يعلو لحنٌ دافئ أليف؛ صوتُ غليانِ شوربة العدس الحمراء سيّدة المائدة المفضلة لدي، فأنا ممن تستهويهم طقوس الشوربات بكل ألوانها وتفاصيلها.
وسط هذا المشهد؛ التفتُّ نحو أمي وانجرفنا في حديثٍ غلبهُ الحنين والتمنّي فقلت لها:
"يا أمّي كم يغلبني الشوقُ لو أنَّ أجدادنا غرسوا جذورهم في تربةِ ريفٍ هادئ أو فوق قمةِ جبلٍ حنون، لنلوذَ بتلك الديار كلما ضاقت بنا المدن فننعم بأيامٍ من الاستجمام والراحة ونأكل من ثمار الأرضِ العضوية الحنونة التي تشبهُ في نقائها قلبك"
لمعت عينا أمّي بموافقةٍ صامتة وقالت: "وأنا كذلك يا ابنتي، هذا حلمٌ يسكنني."
حينها، نظرتُ في عينيها بعزمٍ وقلت:
"أمّي.. لا وقتَ للتمنّي بعد الآن، دعينا نضعُ حجرَ الأساسِ لحلمنا. لنبحث عن أرضٍ في الأطراف لنغرسَ فيها غرسنا، ونبنيَ مزرعةً تكونُ لكِ ملاذًا مستقرًا ولأطفالي من بعدي وطنًا شاعريًا يعيشون فيه تفاصيل الجمال التي فاتني أن أعيشها في زحامِ هذا العالم."
ثم أبحرتُ بمخيلتي بعيدًا وقُلت:
تخيّلي يا أمّي، حين تبلغين التسعين وأنتِ جالسةٌ في شرفتكِ الريفية وأحفادكِ يملأون عليكِ الدار، يرفضون مغادرةَ هذا الفردوسِ الصغير والبقاءَ في ظلالك.
ذهبت أمّي لتكملَ صلاتها وبقيتُ أنا هنا.. أنتظرُ نضجَ الشوربة وأكتبُ هذهِ الكلمات، بينما خيالي قد غادر هذا المطبخ تمامًا ليحلقَ في أرياف آسيا هناك في القرىٰ الكورية واليابانيّة حيث الهدوء المطلق والبيوت التي تشبه القصائد. أتخيلُ بيتنا هناك بنوافذه الخشبيّة المشرعة للسكينة، بعيدًا عن أضواء المدينة الصاخبة التي لا تجيدُ شيئًا سوىٰ حجبِ النجوم عن عيوني التي تعشقُها.
الحالِمة جدًا؛
زَيْنَب.


